السيد علي عاشور

133

موسوعة أهل البيت ( ع )

وقال أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام : ذكر عند الصادق عليه السّلام الجدال في الدين وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السّلام قد نهوا عنه ، فقال الصادق عليه السّلام : لم ينه عنه مطلقا ، ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن ، أما تسمعون اللّه يقول : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 1 » وقوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 2 » فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين ، والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه اللّه على شيعتنا ، وكيف يحرم اللّه الجدال جملة وهو يقول : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى « 3 » وقال اللّه تعالى : تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 4 » فجعل اللّه علم الصدق والإيمان بالبرهان ، وهل يؤتى ببرهان إلا بالجدال بالتي هي أحسن . قيل : يا بن رسول اللّه فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن ؟ قال عليه السّلام : أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها اللّه ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد بذلك المبطل ان يعين به باطله ، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه ، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين ، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله ، وأما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل . وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر اللّه تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له ، فقال اللّه له حاكيا عنه : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فقال اللّه تعالى في الرد عليه : قل يا محمد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ « 5 » إلى آخر السورة ، فأراد اللّه من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال : كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم ؟ فقال اللّه تعالى : قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أفيعجز من ابتدأ به لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته ، ثم قال الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلي أقدر ، ثم قال : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ « 6 » أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي ، فكيف جوزتم من اللّه خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 46 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 125 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 111 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 23 . ( 5 ) سورة يس ، الآية : 78 - 80 . ( 6 ) سورة يس ، الآية : 81 .